كتاب العالم بعد غزة لبانكاج ميشرا يأتي كصرخة فكرية وأخلاقية في زمن تتهاوى فيه القيم أمام مشهد الإبادة الجماعية في غزة. لا يقدّم ميشرا مجرد تحليل سياسي أو سرد تاريخي، بل يضع القارئ أمام مرآة تكشف عجز الضمير العالمي عن مواجهة الفظائع التي تُرتكب يوميًا، ويعيد صياغة النقاش حول فلسطين في أبعاده الأخلاقية والإنسانية والجيوسياسية. منذ الصفحات الأولى، يذكّرنا بأن بريق السلطة والمال كثيرًا ما يعمينا عن هشاشة وجودنا، وأننا جميعًا محاصرون داخل أسوار الغيتو الرمزي الذي يفرضه نظام عالمي قائم على التواطؤ والصمت، بينما يقف “سادة الموت” خارج الأسوار، والقطار ينتظر على مقربة، كما كتب بريمو ليفي ذات يوم.
يستعرض ميشرا كيف تحوّلت غزة إلى رمز لانهيار النظام الأخلاقي الدولي، وكيف أن الجرائم التي تُرتكب بحق الفلسطينيين ليست فعلًا منفردًا لإسرائيل، لكنها جريمة تُرتكب بمباركة الأنظمة الرسمية وصمت الجماهير في العالم، مما يجعل كل يوم مسمومًا بإدراك أن مئات الأبرياء يُقتلون بينما يعيش الآخرون حياتهم العادية. يروي أيضًا تحوّله الشخصي، إذ نشأ في بيئة هندوسية قومية معجبة بإسرائيل، لكنه بعد زياراته للضفة الغربية وغزة أصبح ناقدًا لاذعًا للصهيونية وسياساتها، كاشفًا عن وحشية الاحتلال والجدار والحواجز التي تعذّب الفلسطينيين وتحوّل حياتهم إلى جحيم يومي. ومن خلال هذا التحوّل الشخصي، يفتح الباب أمام القارئ ليدرك أن المأساة ليست بعيدة، وأنها تمس كل إنسان يرفض أن يُختزل التضامن في شعارات فارغة.
الكتاب يفضح أيضًا التواطؤ الغربي ودور القوى الكبرى في استمرار المأساة، ويضعها في إطار انهيار أخلاقي شامل، حيث تُستغل المحرقة النازية وتجارب الاستعمار والعبودية لتبرير سياسات الحاضر، في حين أن التضامن الإنساني الحقيقي يتطلب عملية هائلة من الفهم المتبادل والتوضيح الذاتي على نطاق واسع، كما كتبت حنّة أرندت. بهذا المعنى، فإن العالم بعد غزة ليس مجرد كتاب عن فلسطين، وإنما هو أطروحة فلسفية وأخلاقية ضد التواطؤ العالمي، وضد اختزال المأساة في أرقام وصور عابرة، وهو دعوة لإعادة التفكير في معنى الإنسانية وفي مسؤولية كل فرد أمام الجرائم التي تُرتكب باسم القوة والهيمنة. إنه نص يضع القارئ أمام سؤال مصيري: أي عالم سنعيش فيه بعد غزة، إذا ظل قائمًا على الخوف والكراهية، وإذا استمر في تجاهل صرخات الضحايا؟
المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.