في هذا النص الآسر، لا نقرأ قصة، ولكننا نُستدرج إلى عرض داخلي، إلى مسرح لا تُضاء فيه الثريات إلا حين تشتعل الذاكرة، ولا يُرفع فيه الستار إلا حين يهمس الحب من وراء الزمن. هنا، تُروى الأحداث كما تُستعاد، وتُعرض الشخصيات كما تُستدعى. كل شيء يحدث في مرآة قديمة، لا تعكس الواقع، لكنها تكشفه.
أنتيم، الشخصية التي تتقاطع فيها خطوط الفن والقدر، لا يسير في الزمن، وإنما يُسحب عبره، كما يُسحب عبر المرآة، وعبر الضوء، وعبر الدرج الرخامي الذي لا ينتهي. ميلانيا، ماريا داريا، ليتيسيا… أسماء تتبدل، لكنها تشير إلى وجه واحد، وجه الخطيبة الغريبة التي لم تُنسَ، لأنها لم تُعش كما ينبغي. كل لقاء يعيد تمثيلًا سابقًا، وكل حوار يسترجع مشهدًا مضى، وكل خطوة نحو الأعلى تكشف انحدارًا أعمق في الذات.
المكان، سواء أكان غرفة معيشة أو قاعة احتفال أو شرفة مسرح، يتحول إلى امتداد للذاكرة. والزمان، سواء أكان ديسمبر 1971 أو لحظة تصفيق أو نقرات العصا الثلاث، يتحول إلى إيقاع داخلي، يضبطه القلب لا عقارب الساعة. حتى الشخصيات الثانوية، مثل لوشيان، لا تتحدث من موقعها المباشر، ولكنها تظهر من خلف الستار، كأنها جوقة يونانية تراقب وتعلّق دون أن تتدخل.
هذا النص يدعو القارئ إلى عبور المرآة، لا لرؤية نفسه، وإنما لاكتشاف من كان، ومن لا يزال يبحث عنه. المسرح هنا لا يقدم عرضًا فنيًا فقط، وإنما يهيئ النفس لمواجهة الموت، واستقبال الحب، والوصول إلى الحقيقة التي لا تُقال إلا همسًا، ولا تُفهم إلا حين تُغلق العين وتُفتح الروح.
المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.